التصنيف: أشياء لا تقال

البيت الذي يمارس الحياة

بيت خالة عليا, الهمزة تسقط مع الوقت دائماً .. البيت هذا تسكنه عائلتان, أو ثلاث .. ماني متأكدة, بيت مليـان دائماً .. الحالات التي يكون فارغاً بها تأتي عندما يقرر الجميع قضاء الخميس او الجمعة في البحرين, يصبح هذا المكان موحشاً في تلك الأثناء, حتى البيوت تشتاق لساكنيها, تربطني بأهل هذا البيت الكبير صلة, زوجة أبي الأولى -التي توفيت مؤخرا- خالة كل البنات في ذلك المنزل, كانت تحبهم,  تتشاجر معهم كثيراً, و أصرت على الإحتفاظ بهم في ذاكرتها بالرغم من أنها و في الأيـام الأخيرة من 2011 كانت تنسى أنها تعيش في غرفتها و منزلها, هذا البيت مر بكثير من الأحداث السيئة في 2012, بداية بالخالة حصة, و التي سقطت في أواخر العام السابق و لم تستيقظ أبداً .. ثم مرض أحد الإخوة الكبار – صلاح- ثم رحيله بشكل سريع, وفاة خالة عليا, والدتهن المسنة التي كانت تملأ البيت و تجلس دائماً على الكرسي في أقرب نقطة للباب و للغرفة المجاورة و التي كانت غرفتها كونها لا تستطيع صعود أي عتبة, و إصابة خلود -أكبر البنات- بجلطتين متتاليتين كادت إحداهما أن تقتلها.

منى, الإخت التي تقع في الوسط.. كانت تفعل كل شيء في الوقت نفسه, تسافر مسافة 45 دقيقة عشان تساعدنا بتحميم حصة, تذكر صلاح بمواعيده و تصر على أن لا يبذل أي مجهود, تذهب لعملها, تكون أمُ لصغيرين تحبهما كثيراً, تقوم بتحضيرات عزاء وراء الآخر, تحتضنني عندما تنتابني نوبات الفزع و أبدأ بالبكاء, تزيل آخر قطنة محشورة في رقبة حصة قبل أن نغسلها لتذهب الى الله, تبكي صلاح, تبكي أمها عليا, توصل الصغيرين الى المدرسة, تتحدث بصراحة عن الوقت المتبقي لها, تزور خلود ثم تعود لتطمئن على حصة, و بالرغم من ذلك كله هي تعرف كيف تعيش, تعرف كيف تحزن بالشكل الملائم و أن لا تبالغ في وداع أحدهم, كثرة الأحداث هذه تخلي قلب الواحد قوي, أعرف .. لكن في فرق بين ان الواحد يكون قوي, و بين إنه يكون قوي و يتقبل الحياة بشكلها الذي تأتي به, بشكلها هذا..

خرجت في اليوم الثالث من عزاء حصة ولم أعد بعد ذلك الا مرتين, في المرتين لم أشعر بأني مررت بهذا المنزل في ظروف سيئة, البنات مع الأجهزة المحمولة, التلفزيون المفتوح على قناة جاءت بشكل عشوائي, الجو اليومي الي هم يشوفونه رتيب و أنا أشوفه مليء بأشياء كثيرة لم أعتد عليها.

آخر مرة دخلت فيها بيتهم كانت في حفلة عيد ميلاد, متصورين القدرة الجبارة على المضي؟ كنت أشوف أرملة و اخوات و بنات لأناس ماتو منذُ وقت ليس بطويل, لكنهم اختارو أن يقلبو الصفحة و أن الحياة تستحق عشرات الفرص, أن يؤمنوا بأن الله لا يخلف وعده و بأن الذين نحبهم أقرب مما نتصور .. أنا أحب هذا البيت, حبيته أول مرة في عيد لا أتذكره الآن, لكني أتذكر البيجامات و التوسل من أجل عيدية لا تتعدى قيمتها الخمسة ريال, أتذكر صالات البيت الممتلئة بالناس, أتذكر اني ماكنت أبي أطلع, و مازلت أحبه لأن أهله يخلونه حاجة غير قابلة للنسيان.

- أحلم فيها,  تكون تمشي وراي بشارع مزحوم, تعبانة من المشي لكن تكمل, بعدين توصل معاي الى بيتنا الي برحيمة, تدخل غرفة ما قد فرشناها, و تجلس.. وجهها تعبان لكنها زي الي ارتاحت! , هو أحلم فيه  دائماً بنفس الصيغة, يكون منسي بمستشفى بعيد, كل مرة أصحى بكمية إشتياق رهيبة و كدر لأني مانسيته, مافي أحد يقدر ينسى شخص ملتصق بإسمه.

نص ينقصه شيء ما .

 

الأغنية القديمة التي تُشبهك وتأتي مبكرة بدقائق قليلة, أصل على نهايتها متـأخرة و أحزن, الأوقات السعيدة تبدو كذلك حتى أفكر كم ستكون أجمل لو كنت هنا, أكتب لك : إشتقتلك, تمنيتك معي .. ولا أنتظر رداً مناسباً غير حضورك, النص الصعب الذي أحاول الوصول إليه و يبدو في كل مرة وكأن شيء ينقصه, أكتبه و أنا أفكر في يديك, يديك, مفتونة أنا بها, أتحسسها في كل مرة بين يدي كما المرة الأولى, أكرهك ولا أغضب منها عندما تصبح لئيماً وتصمت لوقت طويل, الوقت الذي ينتفي عن صفته المملة عندما تكون حاضراً, الساعات الغيورة التي تتقافز حتى ننتهي من بعضنـا بسرعة, والنهاية التي تبدو حاضرة معك دائماً في أبسط أشياءك, في لقاء عابر, أو مكالمـة سريعة .. نقطة وداعا التي يجب أن اختفي وراء الباب بعدها, أو أغلق سماعة الهاتف, الأمور التي تبقى بعد ذلك, الكلمة التي نسيت قولها, الأخرى التي إبتسمت بالضبط عندما كنت سأقولها.. اللحظة التي كنت أخبرك بها بحدث ممل و نسيت يديك, اللحظة الأخرى التي ضاعت دون أن أأخذ كفايتي من وجهك, هذا الغرق لا يناسبني, التفاصيل كثيرة علي, الخطوط المتناهية الصغر .. تلك التي تظهر بجانب عينيك في كل إبتسامة فتنة, فتنة فتنة فتنة! الكلمة التي صارت صديقتي منذُ أن أتيت, العمر .. مازال مبكراً و أرجوه أن يبطىء السير حتى يظل هناك مزيد من الوقت, أريد مزيداً من الوقت لأقول فيه كل الأشياء التي أستبدلها في كل مرة بـ صعب أكتب عنك .. هناك أمور في الحياة لفرط جمالها نعجز عن صياغتها في نص بالشكل المناسب !

أشياء بسيـطة *

الكلمَات التي تُقال , تذهب مع الريح . . لايتبقى منها سوى القليل المختبئ في الرسـائل و البطاقات المُرفقة , و ذاكرة القلب
الهدايـا , يأكلها الغبار عندمـا يرحل أًصحابها , نخبئها عن قلوبنـا بعناية من أجل ننسى – وبالرُغم من ذلك لا ننسى -
الروائح , لايتبقى منها سوى زُجاجة عطر مفرغة نحتفظ بها في المكان ذاته
الأمور التي كانت تكون في رأسك فكرة : أن الحب يحتاج لأفعال عظيمة هي ذاتها التي تخبرك لاحقاً , بأن الحُب هو مجموع أشياء بسيطة , وتفاصيل صغيرة جداً , وكلمات لاتُقال . . وأن ذلك مايجعله عظيماً

 
إقتباس صُغنن :

“كيفَ اقنعُكَ أنّي لا اريدُ من الحبِ سوى مقعدٍ خشبي نتقاسمُه ، وطريق ٍ طويلٍ نمشيهِ جنبًا الى جنب ، ووردةٍ تقطفها لي من حديقةِ داركم ؟؟؟وهل تصدقني ان قلت ُلك انّ عيوني لا تلمعُ الّا لحنانٍ تجده في عينيك ؟؟؟ام انكَ لن تصدقَ ولن تقتنع .. لأن من طعنوكَ في القلب لم يتركوا لي منه قطعة ً سليمه واحده تصدقُني بها”
― واسيني الأعرج

 
يكفي ؟

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 109 other followers